تعد رواية أولاد حارتنا لمؤلفها الأديب المصري نجيب محفوظ من أكثر الروايات العربية إثارةً للجدل، ومُنِعت من النشر في العديد من البلدان، وقد كتب عنها النقاد والدارسون على مدى سنوات عديدة وفق ما ورد عن الكاتب عبد الله دعيس في دراسته حول هذه الرواية، وفي هذا المقال قدمنا لكم تحليلًا مفصلًا لها.


تحليل رواية أولاد حارتنا

تعد (أولاد حارتنا) روايةً رمزيةً يُعيد فيها نجيب محفوظ كتابة تاريخ البشر على محورية حياة الأنبياء، كما يَعرض فكره الفلسفي حول العلم الحديث وصراعه القائم مع الدين،[١] ولتوضيح الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها تم تفكيك الرواية إلى عناصرها الأساسية وتحليلها على النحو الآتي:


العنوان

شكّل العنوان في رواية أولاد حارتنا عتبة الدخول إلى النص والبداية لتأويله وتحليله، فقد عبّر عن النزعة الفلسفسة التي يرمي إليها نجيب محفوظ في روايته هذه، وجاء العنوان شاملًا مستوفيًا لقصص جمعت بين الديانات الرئيسية الثلاث عرضها بصورة رمزية واقعية؛ فلفظ (أولاد) كان إسقاطًا على البشرية جمعاء، ولفظ (حارتنا) كان إسقاطًا على الأرض التي يعيش عليها الإنسان.[٢]

المكان

تدور أحداث الرواية ضمن المجتمع المصري متمثّلًا بحارة الجبلاوي، وقد عبّر نجيب محفوظ من خلال هذا المجتمع عن طبيعة المجتمعات الإنسانية بشكل عام حسب ما ذكر الكاتب عبدالله دعيس في دراسته حول هذه الرواية.

الشخصيات الرئيسية

دارت أحداث رواية أولاد حارتنا بين عدد من الشخصيات الرئيسية، وهي:[٣]

  • الجبلاوي: يعد من أهم الشخصيات الرئيسية في الرواية، وقد كان حاضرًا من البداية إلى النهاية، وهي شخصية تمثل السلطة العُليا المتحكّمة بكل شؤون الحارة، ويعيش الجبلاوي في البيت الكبير ونسب إليه مجموعة من الأولاد من بينهم أدهم وإدريس، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ قصد بهذه الشخصية الذات الإلهية.
  • أدهم: هو ابن الجبلاوي أصغر من إدريس ومن أم أخرى، يتميز بالتواضع والأدب وبرّه بوالديه، ولّاه والده الجبلاوي إدارة الوقف، وقد كان مُحبًا للحديقة وسحرها وظلالها وألوانها، ويقضي معظم وقته فيها، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ قصد بهذه الشخصية آدم عليه السلام.
  • رفاعة: هو شخصية مسالمة تدعو إلى الحب والتسامح والابتعاد عن الحقد والعيش في أمان، وذلك من خلال تخليص الناس من عفاريتهم، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ قصد بهذه الشخصية عيسى عليه السلام.
  • جبل: هو من أحفاد الجبلاوي، ولد لأسرة فقيرة لكن كفلته أسرة ذات مكانة وسلطة، وقد عرف جبل بالعدل والأمانة وكُرهه للظلم، فكان يسعى لرد حقوق أهل حارته بالرغم مما يلقاه منهم من رفض، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ قصد بهذه الشخصية موسى عليه السلام.
  • قاسم: يعد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الحارة، فهو الذي يجمع شمل الحارة وينشر الخير في جميع الحارات، وقد كان كثير التأمل ويحب الخلاء مع نفسه، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ قصد بهذه الشخصية النبي محمد عليه السلام.
  • عرفة: هو شخصية مجهولة الهوية رغم انتمائه إلى الحارة، امتهن السحر وكذّب كل ما سمعه عن جبل ورفاعة وقاسم، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ يرمز بهذه الشخصية إلى العلم الذي تطور بعد عهد الأنبياء.


الشخصيات الثانوية

دارت أحداث رواية أولاد حارتنا بين عدد من الشخصيات الثانوية، من أبرزها:

  • أميمة: هي فتاة لها بشرة سمراء أحبها أدهم وتزوجها، لكنها كانت وراء عصيانه لوالده، فيخرج أدهم وأميمة من البيت الكبير ويسكنان بالقرب منه حتى ينالا رضا الجبلاوي، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ قصد بشخصية أميمة حواء عليها السلام.
  • قمر: هي أرملة لرجل كان صاحب مكانة في الحارة، بعدما سمعت بقاسم وتحليه بالصدق والأمانة عرضت عليه الزواج، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ قصد بهذه الشخصية السيدة خديجة رضي الله عنها.
  • همام وقدري: هما ابنا أدهم، وكان همام صاحب القلب السليم والروح الطيبة، وقد دعاه جده للعيش في البيت الكبير ويتزوج ويبدأ حياة جديدة، الأمر الذي بعث الحقد والغيرة في نفس قدري على أخيه، ويقتله في النهاية، ويُشار إلى أنّ نجيب محفوظ قصد بهاتين الشخصيتين هابيل وقابيل.


الأحداث الرئيسية

يحكي نجيب محفوظ قصة الجبلاوي الأب المسيطر والمتحكم بالأمور كلها، وله مجموعة من الأولاد، منهم إدريس الابن الأكبر، وهو المكلف بأمور الوقف والذي يتصف بالتواضع والحكمة، لكنه حسب الرواية سرعان ما يتجرد من أخلاقه، ليصبح الابن العاق لوالده بعدما تولى أخوه (أدهم) الإدارة بدلًا منه، وقد لزم إخوته الصمت والخضوع لوالدهم، مما دفع إدريس لشتمهم وانتهي به الأمر إلى طرده من البيت الكبير ووالده غاضبًا عليه.[٤]


وبعد أن يتسلم أدهم إدارة الوقف يصبح أكثر نشاطًا وفطنةً في عمله، ويدبّر له أخوه إدريس مكيدة أدّت إلى طرده من البيت الكبير هو وزوجته، لكنهما يعيشان بالقرب منه على أمل أن يغفر لهما، ومع مرور الأيام تصبح الحارة أوسع ويتزايد عدد سكانها، وتظهر جماعة تُدعى (الفتوات) يقومون بأعمال بلطجية ويخوفون أبناء الحارة، فيحاول مجموعة من الأشخاص مساعدة الناس وحمايتهم من شر الفتوات، وهم: جبل ورفاعة وقاسم.[٥]


العقدة والحبكة

بعد وفاة قاسم يسيطر الفتوات على الحارة ويخيب أمل الناس في حمايتهم من الظلم حتى يدخل الحارة في يوم من الأيام (عرفة)، وهو رجل طموح يكره (الفتوات) ويحاول الانتقام منهم، وبعد مدة سعى عرفة لاختراق البيت الكبير سرًا والعثور على صندوق الموقوفات، فيدخل غرفة الجبلاوي الخاصة وتراه الخادمة ويتسبب بموتها، فيهرب خائفًا.[٥]


الحل

حسب ما ورد عن الكاتب عبد الله دعيس في دراسته لهذه الرواية يُنهي نجيب محفوظ روايته بحكاية (عرفة) الساحر، الذي رمز به للعلم ويَشير إلى أنه حلّ محل الدين، وأصبحت قنابل عرفة هي وسيلة السيطرة، ويموت عرفة في نهاية الرواية، ولا يبقى من علمه إلا تلك الزجاجات التي يسيطر بها الناظر على الحارة البائسة.


الخصائص الفنية في رواية أولاد حارتنا

اتسمت رواية أولاد حارتنا بعدد من الخصائص والسمات الفنية، منها على سبيل الذكر لا الحصر ما يأتي:[٦]

  • تعدد الجوانب التي تناولها الكاتب في روايته؛ إذ تحتوي على جوانب فلسفية وسياسية وتاريخية.
  • اللجوء إلى استخدام الرموز للتعبير عن الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها.
  • توظيف الشخصيات ووصفها بطريقة تخدم الفكرة التي يسعى الكاتب إلى توضيحها.


ولقراءة تحليل المزيد من الروايات الرمزية: رواية رحلة ابن فطومة، رواية الأشجار واغتيال مرزوق.

المراجع

  1. علي رضا نظري، دراسة الفكر الفلسفي لنجيب محفوظ، صفحة 1. بتصرّف.
  2. محمد ثامر، دراسة سيميائية العنوان والشخصيات في رواية أولاد حارتنا، صفحة 43. بتصرّف.
  3. محمد ثامر، دراسة سيميائية العنوان والشخصيات في رواية أولاد حارتنا، صفحة 44. بتصرّف.
  4. محمد ثامر، دراسة سيميائية العنوان والشخصيات في رواية أولاد حارتنا، صفحة 63. بتصرّف.
  5. ^ أ ب علي رضا نظري، دراسة الفكر الفلسفي لنجيب محفوظ، صفحة 5. بتصرّف.
  6. علي رضا نظري، دراسة الفكر الفلسفي لنجيب محفوظ، صفحة 22. بتصرّف.